الشيخ اسماعيل حقي البروسوي

453

تفسير روح البيان

من الأرض اى المرتفع المنفصل بارتفاعه عما حوله ومعنى اسرارها مع أنها لا تكون الا سرا انهم بالغوا في اخفائها الَّذِينَ ظَلَمُوا على أنفسهم بالشرك والمعصية بدل من واو أسروا منبئ عن كونهم موصوفين بالظلم الفاحش فيما أسروا به كأنه قيل فماذا قالوا في نجواهم فقيل قالوا هَلْ هذا هل بمعنى النفي اى ما محمد إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لحم ودم مساولكم في المأكل والمشرب وكل ما يحتاج اليه البشر والموت مقصور على البشرية ليس له وصف الرسالة التي يدعيها والبشر ظاهر الجلد والأدمة باطنه عبر عن الإنسان بالبشر اعتبارا بظهور جلده من الشعر بخلاف الحيوانات التي عليها الصوف والشعر والوبر واستوى في لفظ البشر الواحد والجمع وخص في القرآن كل موضع عبر عن الإنسان جثته وظاهره بلفظ البشر أَ فَتَأْتُونَ السِّحْرَ الهمزة للانكار والفاء للعطف على مقدر وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ حال من فاعل تأتون مقررة للانكار ومؤكدة للاستبعاد اى ما هذا الا من حنسكم وما اتى به يعنون القرآن سحر أتعلمون ذلك فتأتونه وتحضرونه على وجه الإذعان والقبول وأنتم تعاينون انه سحر قالوه لاعتقادهم ان الرسول لا يكون الا ملكا وان كل ما يظهر على يد البشر من الخوارق من قبيل السحر اى الخداع والتخييلات التي لا حقيقة لها * قال الامام طعنوا في نبوته بأنه بشر وما اتى به سحر وهو فاسد إذ صحة النبوة تعرف من المعجزة لا من الصورة ولو بعث الملك إليهم لم يعلموا نبوته بصورته بل بالمعجزة فإذا ظهر على يد بشر وجب قبوله لوح صورت بشوى ومعنى جو * كه صور برك شد معاني بو وانما أسروا ذلك لما كان هذا الحديث منهم على طريق التشاور فيما بينهم والتحاور في طلب الطريق إلى هدم امر النبوة واطفاء الدين وعادة المتشاورين ان يجتهدوا في كتمان سرهم عن أعدائهم ما أمكن ومنه قول معاذ رفعه إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ( استعينوا على نجاح الحوائج بالكتمان فان كل ذي نعمة محسود ) قالَ الرسول عليه السلام بعد ما أوحى اليه أقوالهم وأحوالهم بيانا لظهور أمرهم وانكشاف سرهم رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ سرا كان أو جهرا حال كون ذلك القول فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ فضلا عما أسروا به وإذا علم القول علم الفعل وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ اى المبالغ في العلم بالمسموعات والمعلومات التي من جملتها ما أسروه من النجوى فيجازيهم بأقوالهم وأفعالهم بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ الضغث بالكسر قبضة حشيش مختلطة الرطب باليابس وأضغاث أحلام رؤيا لا يصح تأويلها لاختلاطها كما في القاموس . والحلم بضم الحاء وسكون اللام الرؤيا وضم اللام أيضا لغة فيه فالاحلام بمعنى المنامات سواء كانت باطلة أو حقة وأضيفت الأضغاث بمعنى الأباطيل إليها على طريق إضافة الخاص إلى العام إضافة بمعنى من وقد تخص الرؤيا بالمنام الحق والحلم بالمنام الباطل كما في قوله عليه السلام ( الرؤيا من اللّه والحلم من الشيطان ) ثم إن هذا إضراب من جهته تعالى وانتقال من حكاية قول إلى آخر اى لم يقتصروا على أن يقولوا في حقه عليه السلام هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ وفي حق ما ظهر على يده من القرآن الكريم انه سحر بل قالوا تخاليط أحلام اى أخلاط أحلام كاذبة رآها في المنام بَلِ افْتَراهُ من تلقاء نفسه من غير